صدر عن دار التكوين في 18- 3-2010 وهو الذي كان بعنوان" لاأثق بإشارات المرور"...غير أنّ" أصِلُ بعد قليل" أكثر وضوحاً، أكثر وصولا إلى...
«صديقي العزيز» محمد عضيمة...
جريدة الأخبار، الجمعة،27-8-2010 ، وسام كنعان
لن تحتاج إلى أكثر من ساعتين كي تفرغ من قراءة المجموعة الشعرية العاشرة لمحمد عضيمة، وعنوانها «أصل بعد قليل» (دار التكوين ــــ دمشق). الشاعر السوري المقيم في اليابان يستعيد هنا عبارة يكثر العرب من استخدامها في حياتهم اليوميّة. العنوان مأخوذ عن تلك الرسالة القصيرة التي نجدها محفوظة على نحو مسبَّق في هواتفنا النقالة. وجدها الشاعر ملائمة لتدعيم سخريته من فكرة التاريخ والوقت: «أصل بعد قليل ميلادية... أو في السابعة إلا ربعاً هجرية». يكتب عضيمة نصوصه النثرية على شكل رسائل يفتتحها بالجملة ذاتها: «صديقي العزيز». يقابل كل رسالة، نص شعري، يحكي ما تختزله الحياة من روتين، ومن تكرار، ومن تشابه قاتل في الأحداث واليوميات. في هذا السياق، يردد لازمة مشتركة في مطلع نصوصه: «الخجول من نفسه خجول من... ومن...»، ثمّ يكرّر في ختامها: «وأنت عفواً من أنت، أو ممّ تخجل». الصديق العزيز يتغير بين نص وآخر. بعد لازمة البداية، تجد كلّ الرسالة ضالّتها عند شخص جديد، فهو «الشاعر السريالي» حيناً، أو «الروائي الكسول الذي يتعكّز على التاريخ» حيناً آخر. هنالك رسالة موجهة إلى «رفيق في حزب منحل»، أو إلى «قائد الحروب الوهمية»، أو إلى إحدى نساء الشاعر العابرات، وغير ذلك... يستجمع صاحب «يوميات طالب متقاعد» (1996) تراكمات تجربته الشعرية، وسنوات ترحاله، وبحثه الدائم في العديد من الثقافات واللغات. رغم ذلك، يطلّ كأنّه ترك روحه معلقة عند طاولته المعتادة في مقهى «الروضة» الدمشقي. كأنّ ديوان محمد عضيمة يشبه صاحبه حدّ التماهي. تشبه النصوص ثرثرات صاحبها مع أصدقائه المعتادين في المقهى. لكنّه يعيد هنا بناء تلك الثرثرة، على شكل شعري متحرّر تماماً من الصور البيانية بكلّ أشكالها. «المجاز وما شابه شعر جاهز والشاعر من يستطيع الابتعاد قليلاً أو كثيراً»، يقول. يخاطب «صديقه العزيز شاعر الاستعارات» في مكان آخر، ليعلّمه كيف يجرّد الأشياء من كينونتها، وكيف يدفعها لاغتيال حاضرها. يفترض أن صديقه الشاعر نفسه مهتمّ بمخاطبة الساسة والشيوخ والنقاد، ونساء النقاد وأخواتهم، دوناً عن بائعات الهوى والسكارى والقوادين و«أولاد الحرام»...
الشاعر الخمسيني ابن جيل سوري خبر القلق جيداً. وبقي هذا القلق رفيقه الدائم في وطن يشبّهه بالمنفى فيقول: «وأنت يا وطني في أي المنافي تعيش، وهل تعود مثلي في العام مرتين إلى الوطن؟» هكذا، يدوّن الشاعر قلقه بكلّ ما يملكه من فجاجة ومباشرة في الحواريّة الآتية: «- عفواً ما اسمك - قلق - ما اسم أبيك - قلق - ما اسم أمك - قلق - سجل عندك يا مساعد سليمان: قلق ابن قلق، والدته قلق. يوضع على اللائحة بانتظار فرزه إلى كتيبة الانتظار». بروح السخرية نفسها، يسائل عضيمة قدراً رُسمت ملامحه جيداً: «نصب الجندي المجهول في قاسيون، وأنصاب الجنود الآخرين في جميع أنحاء البلاد. كما لو أنّ شيئاً لم يكن: ساحة القتال صامتة». ثمّ يعيد صياغة كلام مشابه، لكن بالعاميّة هذه المرّة: «والله شي بيدوّخ... لا بيعرفوا يقاتلوا ولا بيعرفوا يستسلموا. لا بيعرفوا يحاربوا ولا بيعرفوا يسالموا. لا بيعرفوا يموتوا ولا بيعرفوا يعيشوا...».
ـــــــــــــــــــــــ
الشعر حين يكون «ضربة الجزاء الأخيرة»
الشاعر السوري محمد عضيمة في ديوانه التاسع «أصل بعد قليل»
الناشر: «دار التكوين»دمشق، بيروت، 2010
دمشق: أحمد عمر، الشرق الأوسط، 4-7-2010
هذه هي المجموعة الشعرية التاسعة للشاعر السوري المقيم في اليابان محمد عضيمة (دار التكوين - 2010) ويظهر فيها وقد تعب من الشغب اللغوي والنضال على الجبهة الشعرية المضادة.
ونجده في ديوانه هذا وقد قذفت به أمواج التعبير على شواطئ القصيدة الماغوطية، أو القصيدة التي سميت باليومية أو الشفوية، ويظهر قريبا جدا من مواطنه بندر عبد الحميد صاحب قصيدة «كانت طويلة في المساء»، ومن نزيه أبو عفش في بعض قصائده ومنذر مصري في ديوانه الأول. المجموعة تقع في 300 صفحة لكن قليلها يغني عن كثيرها، وهي محكومة بنمط وشكل واحد، يغازل بها الأفكار مشيرا إليها من غير أن يقطفها أو يطبخها. يثرثر عضيمة أحيانا أو يخبر أو يستطرف أو يهذي، بكامل قواه العقلية، القصائد لا تزال خاما فلزا، وتنام في قالب شعري هذا شكله: صفحة من الشعر النثري تليها صفحة يخاطب فيها صديقا (لعله القارئ) بنثر، النثر والشعر لا يختلفان كثيرا، سوى بالتقطيع والتوزيع على الأسطر والفضاءات الخالية والبيضاء:
«على أية حال/ الحق وشركاؤه/ في ورطة والباطل ليس بأفضل حال/ قال كذلك/ قلنا كذلك/ قالوا كذلك: والباطل ليس بأفضل حال».
وكل القطع والشذرات الشعرية والانطباعات والأقوال تنتهي بترديد الجملة الأخيرة، التي تأتي دويا لصيحة أو سجعا كسجع الحمام يأتي من بعيد، وأحيانا تكون تكرارا يحاول أن يصنع موسيقى ختامية لكنها تتكرر في كل القصائد وتصيرها نمطا سائدا وطاغيا. «لم يبق للشعر سوى ضربة / الجزاء الأخيرة/ تنفذها يمناك في المقهى/ أو مع الأصدقاء في الطريق/ لم يبق للشعر/ سوى/ ضربة الجزاء الأخيرة».
الجملة الأخيرة المصداة المتلاشية صوتيا قد تكون من أعراض التعب واليأس ووعثاء السفر والشعر وهي تحصيل فائض وبطر شعري وفكري، وما العنوان الفصيح للديوان سوى دلالة على هذا التعب والرهق. تتكرر في خاتمة القصائد القصيرة الجملة الأخيرة وجمل وصور شعرية وأسئلة مثل «من أنت؟» وادّكارات يبدو الشاعر مولعا بها «ابحث عن الطرقات التي من جيلي وجيلك/ ومن جيل الأولاد» وأيضا تبدو القصائد مولعة بتصغير الزمن اليومي وتذويبه في الهجري والميلادي لصنع تضاد ومفارقة «الصبي الواقع في الساعة السابعة إلا ربع/ هجرية» أحيانا نعثر على مفارقة لغوية تتأتى من تضاد العطف «شعره يزلزل الجبال والنهود»، أو قلب جمل سائرة وبعثها بصفات جديدة «صبية بعمر الخمور» علها تنعش القراءة أو تحفزها.
مقطعات محمد عضيمة تخلط عن عمد أو عن لا مبالاة العامية بالفصحى، إن اقتضت ضرورة ما، لعلها ضرورة مشابهة الحياة والشخصيات، فقصائده أحيانا لوحات قصصية خاطفة، كما أنه يزهد بقواعد اللغة والنحو، ويظهر برما بالآداب واللياقة، إذ نفاجأ بكلمات خشنة في قصائده، لكن من غير أن تصنع جمالا أو تقنعنا بوظيفة خشونتها «عندما ينفقع الجورب أشعر بشيء ما حدث بينه وبين إحدى الأصابع»، وهناك أمثلة أخشن وأكثر فظاظة.
تعب شعراء القصيدة الضد السورية من المغامرات ومن تجريب الأشكال وركنوا إلى البلاغ الشعري وإعادة إنتاج المعاني ولعل الشاعر جودت حسن لا يزال مثابرا على المرود، خاصة في قصيدته «أطول من نداء» وهاهو زميلهم عضيمة يبلغنا بلاغا واضحا بأنه سيصل بعد قليل، مكتفيا من الغنيمة بالإياب. ديوان «أصل بعد قليل» يصل إلى القارئ مباشرة، وهو انطباعات سريعة وخام ومسودات عن العالم والناس والشوق وأسئلة مترفة.. بعض النصوص تحتاج إلى رأفة العناية الشعرية المشددة وأكثرها يحتاج إلى التحرير.. يصل عضيمة مضرجا بالحنين إلى الوزن والإيقاع في الشعر، والشوق إلى قول الرأي والنقد الاجتماعي في النثر والشعر.

الاقتصاد الدلالي ونزع الذاتيّة(أصل بعد قليل) لـ«محمد عضيمة» نموذجاً
دمشق
ثقافة ابواب
الاحد 23 آيار 2010
ياسر اسكيف
لا أظن بأن اثنين من المهتمين بمسألة الخطاب قد يختلفان على أن اللغة العلميّة هي أكثر أشكال الخطاب فقراً في الدلالة، وعلى أن الخطاب الأدبي، بأجناسه كافّة، يستأثر بذلك الغنى والتنوّع. مباشرة، كما في الشعر والخطابة، وبإنابة الحدث، ككناية، في المسرحيّة والرواية والقصّة. وبالتالي. فكلّ اقتصاد في الدلالة هو مسايرة للغة العلم، ومحاولة اقتراب منها، إذا ما تغاضينا عن إرجاعه إلى نزعة طبيعية يتماثل فيها الدال والمدلول.
قد يبدو «الشحّ الدلالي» مبرّراً، وضرورياً حتى، حينما يحقق بديلاً جمالياً في معارضة «التفريط الدلالي» الذي يغرّب كلّ واقعة عن واقعها، بنزعه ِ عن الأشياء والأحاسيس صفاتها وأفعالها التي تدرك بها. والذي تغدو معه «الغيمة حصان يلهث» و«غياب الحبيبة خنجراً» فيما الأزقة والشوارع «اتجاهات فلسفيّة وسايكولوجيّة»...
غير أن الكثير من الشحّ، والذي لا ينتبه إليه دعاته، هو سير في الاتجاه المُعاكس لما يقصدون، ويُغلق الدائرة في النقطة التي بمعارضتها بدأت دعوتهم. فالبلاغة ليست اللعنات الثلاث التي يعتقدون (التشبيه والكناية والاستعارة). بل هي سائر الأشكال التي تنظّم الخطاب، والتي تؤكد، بتلقيها المتعدّد الأشكال، على التنوّع ومعارضة التماثل. ذلك أن (الكلمة هي «الدلالة» وليست المعنى. فالدلالة كلمة ثنائية التكافؤ تشتمل على فكرة المعنى لكنها ترتبط بفكرة «الأهميّة» و«الصلة» و«القيمة» وتخضعها لها - سوسيولوجيا الأشكال الأدبية – فرانكو موريتي – ترجمة ثائر ديب) وهذا يقود إلى (أن المعنى الواحد ذاته لا يكون مرتبطاً على الدوام بالفكرة الواحدة ذاتها، حتى لدى الشخص نفسه. المصدر السابق) وأن الشجرة «أ» ليست ذاتها صباحاً ومساءً. ونظرة «س» ليست النظرة ذاتها في كل وقت. أي أن مساواة تقييديّة هي عودة بنا إلى المرحلة الطبيعيّة التي كان فيها الدال والمدلول شيء واحد. وهذا ما لا أعتقد بأن أحداً يقصده، مادام يعيش الأمل، واليأس، ويعبر الشارع، ويحيي الأصدقاء. ولا أظن أيضاً بأن أحداً يريد التضحيّة بالشعر، أو الرواية، أو غيرهما، باعتماد لغة خطاب لا يمكنها الخروج عن رمزيتها وقدريّة ارتباطها كما في المعادلات الكيميائية.
هل يمكن القول إذاً بأن غاية هذا الشحّ هي إعادة موضوع الواحد والكثرة إلى ميدان التداول النقدي، على أساس أن للمدلول دلالة واحدة، وأن تعدّد الدلالات لذات المدلول هي طمس لفرديته ومحو لاستثنائيته!؟ لا أعتقد أن الإجابة بنعم قد تصمد طويلاً أمام مطالبتها بتقديم حججها وبراهينها. إذ إضافة إلى ما بيّناه سابقاً، نسأل: ألا تفترض الدلالة الواحدة تماثلاً حينما تقود إلى القبول برموز قبليّة واحدة لدى كلّ من يتلقى الخطاب؟ بالتأكيد. بل نغامر بالقول أن العكس هو الصحيح، إذ تقتضي الفردية إحداث التباس دلالي تضع اليقين في مواجهة خاسرة مع الشك حول تلك الأشكال المعتادة من التواصل. وتغدو الدعوة إلى نوع من أحادية المعنى بين الدوال والمدلولات مجرّد مصادرة لذلك الالتباس، بما تنطوي عليه من دفاع عن تلك الأشكال المعتادة من التواصل.
هنا سيعتقد البعض بأننا قد فتحنا على أنفسنا باب نقض عريض. وهذا الباب مفتوح، كما أظن، أمام أيّة فكرة. غير أننا سنواجه تلك المعارضة المُحتملة بأمثلة حيّة من تاريخ الأدب العربي الحديث، على أمل إبقاء وجهة نظرنا ما أمكنها على قيد النقاش. وسنتخذ من الحداثة الشعريّة العربيّة الأولى «حداثة مجلة شعر» وتنويعاتها اللاحقة مثالاً يفيد كحجّة لا يتسع المجال لغيرها في هذه المساحة المُتاحة. إذ مثلت في حينه ذلك الاستثناء الذي تجسّد كقطع بدّل الصلة بين الدال والمدلول بتعاليه على المعنى العادي، الحرفي. وخلق ذلك الالتباس الدلالي باقتراحه لدلالات جديدة، وظيفيّة، وجماليّة أكدت، كمرحلة أولى، وهم استقرار المعنى، كما أحاديته وثباته. وهذا ما اتفق في حينه مع أنواع البلاغة الأخرى في الاجتماع الاقتصاد والسياسة (تنامي علاقات الانتاج الرأسمالي وما تبعه من انفتاح اجتماعي وتنوّع فكري وسياسي). وكان لمعان ٍ جديدة أن ترى النور، في النص، كما في الواقع، وكان لتعدّد الدلالات أن ينتج بلاغته الجديدة. ولكنّ عقماً أصاب رحم المعاني، وجعل من الجديد، قياساً إلى مبدئه، أمراً عسيراً، ليس لعجز بلاغي أو أدبي، ذلك أن الوفرة في التجارب والمحاولات تؤكد ذلك، وإنما لتخثر اجتماعي- تاريخي قاد إليه تقاسم، وسَجن، المعاني الجديدة التي تولّدت في كليّتين بلاغيتين باتتا تمثلان إمكانيتين وحيدتين لتفسير الوجود.
وهكذا جاءت ما أصطلح الصديق منذر مصري على تسميتها «انعطافة السبعينيات» والتي كان أول من نظر لها نقدياً الباحث محمد جمال باروت في كتابه «الشعر يكتب اسمه». وكان أول ما فعلته هذه «الانعطافة» هو الانتقال بالنص الشعري من أسر البلاغة اللغويّة كمُنتِج ومحدّد للمعنى، وكموّلد للدلالة، إلى بلاغة الحياة اليوميّة التي ظلت بمنأى عن القبول في الكليّة البلاغيّة المُسيطرة. وهنا برز الشحّ الدلالي توأماً للشحّ الحياتي، وبات البحث عن معان ٍ جديدة بريئة من الوساطة البلاغيّة، هو لسان حال الفرد الذي بدا مُرتاباً بآليات الحداثة الأولى، التي ضحّت ب«فردها» وانقلبت عليه، حينما أغلقت دائرتها على الفرد «الأنا» وليس «الذات»، بحيث ضاق النص ب «العشيرة والقبيلة والأمة»، ولم يعد بمقدور ذلك الفرد أن يتواجد في النص إلا بقدر ما يشكّل رمزاً جمعيّاً، ويحقق حضوراً ميتافيزيقيّاً يُيَسّر أمر انتقاله إلى البلاغة السياسيّة. غير أن فرد «الانعطافة»لم يمكث في ريبته طويلاً، إذ سارع النص إلى التضحيّة به مقابل كائن اللغة اليقيني، الذي بدا وكأن وجوده فرض عين على مساحة «المقبول» ولو على صعيد جماعته البلاغية فحسب. تلك الجماعة التي قامت على التضاد الظاهري مع الحداثة الأولى، بعد أن استولت هذه الأخيرة على كل شيء، بالتفعيل مرّة، وبالتعطيل مرّة أخرى، وعلى التعارض، الممهور بالمساومة واللجوء الجمالي مع «الانعطافة». ومن الصيغ المُعطّلة بدأ النصّ يشكّل فردَه، فيما يتشكّل، أي النص، من وهم المُغترب الذي أخذه الشارع من ذاته، والذي لم يكن في الحقيقة سوى فرد البلاغة المقصيّة، كعقوبة غير مموّهة على عدم الانضواء في النسق الذي لا يني يتعزّز كتدوير للبلاغة الأولى المخطوفة.
وكانت «حساسيّة التسعينيات» معارضة واضحة لما آل إليه نصّ البلاغة المقصيّة والمهمّشة من تقديم أوراق اعتماد لا أدبيّة، بغية التأكد في ساحة المتداول كقبول. فاغتنت من بلاغة الهامش، الذي بات طاغياً على المتن، بما صار إليه من التباس في الدلالات، ومن تحوير للمعاني. غير أن هذه الحساسية سرعان ما أخذت بالانقلاب على هذه البلاغة، بدافع من رغبتها بمجاراة سابقتيها في التكرّس، عبر السعي إلى تنظيم تلك البلاغة نصيّاً، والإقلال من عشوائيتها بإخضاعها لقانون التوقع، في الوقت الذي كان جوهر شعريتها يتمثل بغياب هذا القانون. وقد تمثل الإخضاع في انتقاء آليات ورموز وعلاقات دون غيرها، واعتمادها في إنتاج النص الشعري. الأمر الذي أفقر حقل الدلالات الممكنة، بتعليق عمل الكثير من آليات إنتاجها، وباتت النصوص، إلا قليلاً، نصّاً واحداً.
وإذا كان لمثال أن يختصر الإفقار الذي راكمته حساسيّة التسعينيات، ويمثله كذروة في الشح الدلالي، فليس أفضل من كتاب «أصلُ بعدَ قليل ٍ» لـ«محمد عضيمة» (دار التكوين – دمشق).
بين «الإصغاء إلى الصفير» و«الإصغاء إلى موسيقى الخليل بن أحمد»، أي بين الجملة التعبيرية شديدة البدائية والطبيعيّة المحكومة بثنائية المتلازمة، وبين تلك الجملة المحكومة بأشد القوانين القبليّة صرامة وإحكاماً، ما أنفك اقتراح «محمد عضيمة» الشعري عن المحاولة لمقايضة جدّته، كشرط لا إرادي، بالقبول، عبر دخول اقتراحه كمكوّن رمزي في الشعريّة القائمة. وليس الحديث عن تلك المقايضة حكم قيمة يخصّ الجدّة بأي حال. ذلك أن الإدراج في خانة القبول، مهما تكن ملامح الاختلاف، هو ما يهدف إليه أي خطاب، ومنه الخطاب الأدبي. وغالباً ما يكون الطريق إلى ذلك هو النيل من قبليات سابقة تبدو وكأنها موجودة لأن أحداً لم يبعدها، أكثر منه لأن الضرورة تستبقيها. غير أن ما يمكن قوله هنا هو أن الجديد لا تتأكد جدّته بالتناسب مع ما نجح بالنيل منه، بل بقدر ما يبدي من مرونة في المقايضة والظهور بمظهر القبلي الذي ينتمي إلى الرمزيّة المستقرّة. والهجوم على المنظومات الرمزيّة المستقرّة كأشكال بلاغيّة – أدبيّة، لا يقدّم أو يؤخر في إزاحتها، ذلك أن جوهر الاستقرار ليس في تلك الأشكال وغيرها، بل على العكس تماماً فهي ليست إلا التعبير الأمثل عن استقرار أشد عمقاً ومواربة. وتاريخ الأدب لم يكفّ يوماً عن الكون تاريخاً للأشكال الأدبيّة المتصارعة بتعبير جلي عن وجهات نظر متصارعة تشير إلى مجتمع ينطوي على التناقض بين مكوّناته.
(يهدّد نفسه بالجنون ويعود أدراجه/ صوب الخان). إنه الفرد الذي يحاول محمد عضيمة أن يجعل من مشروعه الشعري والنثري حائلاً دون عودته. غير أن استحالة عدم العودة هي ما سوف يؤكدها الشحّ البلاغي الذي يمثّل «أصل بعد قليل» محاولة لتحقيقه.
(كنت وحيداً وأنقذني الرنين من الوحدة. لم يكن للصوت البشري أن يلعب هذا الدور، ليس لأنه مبحوح وحسب.. بل لأنه لن يكون حيادياً على الإطلاق، ولا بدّ وأنه سيحمل في نبراته شيئاً ما يخربط إيقاع الروح).
هل يمكن قراءة المقطع السابق دون الوقوف عند «ما يخربط إيقاع الروح» متحفزين لسؤال أمِل محمد عضيمة على الدوام أن تكون الإجابة عليه بالنفي. والسؤال عن الخطاب، باستثناء العلمي، الذي لا يقوم على الرغبة بالإقناع، ومن ثمّ الرغبة في قبول مضمونه. مادام الصوت، وليست الكلمات وما يتأسس عليها، لا يمكنه أن «يكون حيادياً»، وأنه سيتدخل، عبر ذبذباته، كعنصر تأثير في إيصال الرسالة وقبول محتواها. وهنا يمكن السؤال: أليست الذبذبات، بطريقة ما، عناصر بلاغيّة. أليست كنايات واستعارات؟ والخشية ممن «يخربط إيقاع الروح»، والدليل هو مقاومته، أليس تأكيداً على أن غاية أي خطاب هي إزاحة ما كان يضمن ل «إيقاع الروح» سلامته وانتظامه. أي إزاحة قبليّ والحلول مكانه في تلك المنظومة الإيقاعيّة التي ألِفتها الروح؟!! وهل يمكننا فهم الطموح إلى الرنين الآلي كشكل للتواصل وتبديد الوحدة، صوناً لإيقاع الروح من ال«خربطة» إلا كدعوة غير خفيّة إلى الطبيعيّة المحضة، ولكن هذه المرّة على قاعدة المجتمع «الروبوتيّ».
(أقسم أنني لم أعد أعرف كيف يريدون للشعر أن يكون: واحد يريده باستعارات ومجازات بلا حدود، وآخر لا يريد أي استعارة ولا أي مجاز، وثالث لا يريد غير الوزن مهما كان نوع الكلام... وحادي عشر فوق السلم يصرخ بالمشاة: شعراء، شعراء، اهربوا... اهربوا). هل أن محمد عضيمة موكل بقياس المزاج الشعري العام ووجد نفسه أمام صعوبة في التحديد؟ أم أن نفاذ صبره الذي يفضحه القَسَم بالعجز هو وجه لعملة يتمثّل وجهها الآخر بالتبرم والضيق من التعدّد في وجهات النظر الجمالية تجاه العمليّة الواحدة؟ وهل أن انعدام التطابق القسري مع نظرتنا للشعر تجعل من الشعراء وباء على الناس أن يهربوا منه؟! أي هل أن الخيارات الجماليّة المتعدّدة، كتعبير عن إمكانيات دلالالية متعدّدة، هي حالة مرضيّة، وحالة التعافي والصّحة تكمن في الخيار الواحد للشكل الواحد والصوت الواحد؟!
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
«يغط في شيء من النوم العميق بعد الكأس الرابع للهجرة بقليل»
محمد عضيمة.. «أصلُ بعد قليل».. أهازيج دفاع عن الحياة والسعادة.. تقاتل «الإيقاع».. وتفتك بالرتابة... وديناصورية اللغة...
جريدة النهضة السورية ـ 17- 5- 2010
خلدون زينو
يريد محمد عضيمة أن يكذب ويكذب... لا لشيء إلا «ليفهم كيف يكذبون»..! على الرغم من أنه ليس جباناً كما يعلن في رسائله إلى «صديقي العزيز»... فالبرد كالحرية مسألة شخصية ولا يمكن تعميمها...
إنه محمد بن أبيه وأمه وليس في أي غار...!؟
وهو ينزّ:
الشعر هو الآخر أيضاً، لا يحتاج إلى جميع هذه الأسلحة المعرفية: أساطير وأبطال وأقنعة وحكايات وأكوام من المفردات، لكي يكون شعراً، الشعر لا يحتاج إلى إقامة طويلة في ديار اللغة... لا يحتاج سوى إلى القليل مما يشعر به ويعرفه الأطفال والرعاة وأولاد السوق عن البيت والمروج والمواخير المملوءة بآثار زبائن عابرين...
تقوم بواجبه الرسائل...!
يجترح محمد عضيمة في كتابه «أصلُ بعد قليل» مقدرة استثنائية طافحة بالدهشة والكهولة والطفولة والحبور والنزف وتواضع وخجل «الاستعلاء» والاختلاف ورغبات «الريادة» المشروعة، مقدرة على تكوين صديق عزيز أول حرف من اسمه: محمد عضيمة.. إنه هو نفسه أو «نفس نفسه»!؟..
وما لم يستطعه أو لا يريده النص تقوم بواجبه الرسائل: وفي النهاية، كان لا بد من هذه الرسائل ومن هذا الحديث. لأن الوسادة لا يمكن غسلها. وأنا لست خبيراً بتصطيف الشراشف وضبضبة اللحاف، لذلك اعترضت منذ البداية على وجود الطاولة إلى جانب السرير، يا أخي أريد أن أشرب وأنام وأستيقظ باكراً في الصباح، وإلى الجحيم، أو الجنة، كتابهم الأخير الذي تحت الوسادة وفوق السرير.
وفي قلق الزمن وأرق البصر والمكان والغربة ووجع الأصدقاء والوحدة والوحدانية تتهاطل النصوص والرسائل والتقويم المر «الحر»:
أعرف، أعرف
أن الساعة تشير كل يوم
إلى الواحدة
والنصف بعد الزوال للهجرة،
وأنت (عفواً)
ماذا تعرف أنت؟ (79)
* * *
مطر أصلع اللون
يشبه ماؤه زعفران الحقول
مطر أحولٌ
كان في اتجاهي كله
لكنه غيّر الاتجاه لحظة الوصول،
يصل، أو لا يصل
لكني أصل بعد قليل ميلادية
أو بعد سنة هجرية. (46).
* * *
ولأن عضيمة الناقد والمترجم والشاعر لا يثق بإشارات المرور ويجهر و«يُطبّق» بأن «قصيدة النثر» لن تمتلك هوية ما دامت تعتمد على أدوات القصيدة العمودية وقصيدة التفعيلة فإنه حثوث لهوث إلى الزوغان من هذه الأدوات الديناصورية كتلميذ حضانة يباغت معلمته «العثملية» قاسية القلب شحيحة الينابيع والأحلام والأفراح والأحزان...!!:
اضحكي يا ملامحي المشوشة
على نفسك
وعلى الآخرين، اضحكي
حتى ينفصح الشاعر والشيخ وأتباعهم
على شكل قهقهات في مقاهي البلاد
وتحت الجسور،
اضحكي. (109).
* * *
على ذلك الجدار، يوم
خططت أسماءنا:
الكاتب الفلاني الكبير
الشاعر الفلاني الكبير
والعاشق الفلاني الكبير
ورحت أنظر من بعيد،
ما أجمل أسماءنا
فوق الجدار. (124)
ومن دون مقدمات يلوذ إلى «صديقي العزيز»: أحتاج إليك، أحتاج إليك أكثر من فوضى الأشياء. غير أنني لا أثق بمرايا الصالون. أحتاج إليك قبل وبعد الباب، مع أنني أقفلت الباب بأكثر من مفتاح. خذ مثلاً جوربها الفاتر الطويل واربط به الجبين قبل الخروج. وأنا سوف أحييك لأنك بارع في التدخين وفي خلط المرايا وبارع في الجلوس وحيداً في المقاهي.
الشام.. من أعلى قاسيون..
ولأن «فلسفة الاعتباط هي ملاذ المؤمنين»، فإننا نُقبل على ما يمكن أن نسميه أو نتلقّاه (على كيفنا) أهازيج دفاع «مستميت» عن الحياة تقاتل «الإيقاع» وتفتك بالرتابة، ولاسيما أننا في ضيافة وقفة انطباعية تحاول تلمس مفاتيح ما بين السطور...
ما بين الحكي يصير شعراً
والشعر يصير حكياً ومحكى
وهنا نرانا أمام طرافة وتهكم نثر في «فقه» الجوارب...
«وفقه» الخجل والأحذية والدكاكين والبلاد والغربة والضيق:
لا أحد يفسح المجال
لأحد:
العصفور والسكين
الفأس والأشجار،
وكذلك الخيل والبيداء والبشر
لا أحد يفسح المجال
لأحد،
قالوا كذلك. (15).
* * *
الخجول من نفسه
الخجول، الخجول،
خجولٌ من الغيم ومن أمطاره ولا سيما
قبيل الهطول،
من الخيل في إسطبلاتها ولا سيما
عند الصهيل،
وأنت (عفواً)
أنت من أي شيء خجول؟ (103)
ولأنه كان وسيبقى «يغط في شيء من النوم العميق بعد الكأس الرابع للهجرة بقليل»... ولأن «صديقي العزيز» معني بالأمر، فلا بد مما ليس منه بد في الروح والانتماء وفلسفة البساطة.
عندما رحنا نستطلع الشام ومقهى الروضة من أعلى قاسيون، أخذت لي صوراً ببوزات وبوزات ثم أرسلتها بالبريد الإلكتروني. ياه، كم تبدو الشام جميلة من أعلى قاسيون ومن بعيد في الصور. ياه، ياه، ما أجمل الحنين.
وفي غمرة هذا «الطيران» التكويني الفينيقي:
لم يبق للشعر سوى ضربة
الجزاء الأخيرة،
تنفذها يمناك في المقهى
أو مع الأصدقاء في الطريق،
لم يبق للشعر
سوى
ضربة الجزاء الأخيرة. (58).
* * *
كي يبقى الهواء هواء
كما كان...
في ثنايا النصوص والرسائل انتماء لهوف إلى الطفولة... طفولة الحياة... طفولة اللغة لا بدائيتها وتحنطها وسذاجتها... وعلى رغم وضوح عدم الركون إلى مرجعيات معرفية أو فنية أو أيديولوجية جامدة جاهزة أو متحركة، فإننا نمرح مع كرنفال حميم يدعو إلى الحياة، حرية الضوء والماء والعصافير والأشجار والشام وقاسيون والجوارب والسكاكين والبيوت... حرية الضوء ويفاعة الأسى وألق الأرصفة والبيوت والمآذن والكنائس الحزينة الطافحة بالانتظار... الطافحة بالألم والأمل... برحيق الحرية... لا بمآسي ومجازر «الديمقراطية»... ومقابر انتصارات اللغة... مقابر انتصارات أحزاب الكآبة...
وكلاء توزيع الغتاتة وتأصيلها وتنسيلها:
أسكر وأسكر
ولا شيءَ يُفْرجُ في حياتي
لذا أتملّى زجاجتي وأصابعي
وكؤوسي،
وأبحث عن الطرقات التي من جيلي ومن جيلكَ
ومن جيل الأولاد
المنافي وأشياؤها
اسمي،
اسمي: المنافي وأشياؤها...
وأنت يا وطني...
أنت ما اسمك،
وفي أي المنافي تعيش
وهل تعود مثلي في العام مرتين إلى الوطن...؟ (61)
كي يبقى الهواء هواءً، كما كان في الأصل،
ناصعاً ونقياً،
من الحكمةِ
أن تترك الباب مفتوحاً والفم والآذان.
وهذه النافذة المقفلة
اخلعها وارم صفائحها الزجاجية
لعجلات طنبر
أو حنطور سريع
كي يبقى الهواء هواء كما كان
في الأصول. (107)
منافي الشمس المشرقة
من «الميامر» إلى «شكراً للموت» مروراً بـ«يوميات طالب متقاعد»، و«لا، لا، لن أعود للبيت» وغيرها... محفوفة بالمختارات والترجمات والحوارات... يبقى محمد عضيمة نورساً يحبو إلى عالم الأطفال فهو «رحيل إلى أقصى الشعر» للبحث في زواياه أكثر، ولأن الرواية تقتل الوقت، فليس عنده وقت للقتل، وهو في «مشروعه» يقدم أنموذجاً على أن الأجيال الجديدة تعبت من المآسي وشعراء المآسي.. من الأحزان وشعراء الأحزان.. لذا على الأجيال الجديدة أن تكتب بسعادة، تكتب لنفسها، تكتب بمرح وفخر، فهل من المعقول الكارثي أن نقف على أطلال «احتلالنا» للأندلس بينما معرفة وثقافة وسعادة بناة الحياة والأمل تحرر بعضاً من أراضينا المحتلة... وبعضاً من أرواحنا المنهوبة.
ما لديك في الجبال
قلة في الجبال،
وما لديك في السهول
قلة في السهول،
وما لديك في الأصدقاء
قله
للأصدقاء.
لا تقل ما لديك في الوفاء
لغير الأوفياء...
أخيراً...
محمد عضيمة: مرحبا...
E:Khaldounzeno@live.com
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الكتابة المتعديّة للأجناس
ملحق ثقافي، ياسر اسكيف:
20 / 4 / 2010
"شواطئ الروح المجنونة"، "الكآبة السوداء وأبناؤها الصغار"، "قرف ممطوط الشفتين"، "برد يخطئ في الوصول"، الفراغ الذي على شكل وردة سوداء"، "الحضارة شعر محض"..
عبارات كان كلّ منها مُرشحة كعنوان لقراءة "أصل بعد قليل" كتاب محمد عُضيمة الأحدث "دار التكوين – دمشق 2010 ". وترشيح تلك العبارات لا يتعلق أبداً، كما ستُظهر القراءة، بما تنطوي عليه من اكتناز دلالي، أو طاقة تعبيريّة، بل لتعجيلها في الوقوف بوجه الكثير من المصادرات التي ذرّاها محمد عُضيمة في غير مكانها. أو بتعبير آخر: ليفتضح التناقض بين وجودها، وتلك المصادرات، في نسيج بنيّة واحدة.
كتابة "متعديّة للأجناس". يصح القول في "أصل بعد قليل" دون أن يعني هذا القول حكم قيمة جمالي. ذلك أن أحكام قيمة كهذه من مهمات التأريخ الأدبي، وليس بضعة مقالات أو دراسات، حتى لو حاولت ذلك.
والكتابة كما يمارسها محمد عضيمة، وبآليات شديدة الوضوح هنا، عيش في المساحة "المنزوعة السلاح" بين حدود الأجناس المتجاورة، دون أن تقدّم أوراق اعتمادها لأي منها. وهي، بطريقة ما، ارتحال بين حدود الاختلاف، يجعل من أيّة قراءة قبليّة الأدوات فاقدة لحقل اشتغالها، ومحرّضاً على استنفار ذائقة حديّة عمياء، تصوغ الرفض أو القبول كقراءة لتدريجتين على مقياس أعرافها الجماليّة. وليس غريباً على القارئ/ الذائقة، بما هو مُركّب جهوزيّة وتشبّع بالأعراف، أن يبدي تلك الحديّة. فالكتابة ذاتها، في هذا الموقع وغيره، تبدي تجاهه، دون مواربة أو مناورة، إعراضاً استفزازيّاً يتقصّد توريطه في نزال جمالي:
"المجاز وما شابه شعر جاهز والشاعر يستطيع الابتعاد قليلاً أو كثيراً. ص 197. والشعر هوا لآخر لا يحتاج إلى جميع هذه " الأسلحة المعرفيّة ": أساطير وأبطال وأقنعة وحكايات وأكوام من المفردات لكي يكون شعراً... لا يحتاج سوى إلى القليل مما يشعر به الأطفال والرعاة وأولاد السوق... ص 81 "
إعراض لا يُقرأ إلا تحرّشاً بيّناً، كما هو مأمول منه، إذ يتبدّى كمواجهة، أكثر منه إدارة للظهر، ليس على مستوى النصّ فحسب، بل كتكوين للكتاب: يتقابل فوق كلّ صفحتين متجاورتين نصّ شعري – حتى إثبات العكس - ونصّ في الدفاع عن شعريّة ذاك النصّ موجّه إلى مُشكك مزعوم، أو مُفترض. ويأتي هذا الدفاع على هيئة حديث يهدف إلى التأسيس لحوار يتوّلد النصّ الشعري من شرط غيابه. وهنا تتحرّك اللغة بين عتبات استخدامها "فصحى، عاميّة، وما بينهما" كما في أي حديث شخصيّ بين صديقين.
وتكوين الكتاب هذا، يجعل من قراءته كأجزاء منفصلة، أو مستقلّة، ضرباً من تقطيع الأوصال، الذي يُذهِب بجوهر النصّ منفرداً، كحامل لقيمة جماليّة، وبجوهر الكتاب، كطرح للاختلاف في آليات الممارسة الاجتماعيّة للأدب. وسيمنع عنه تلك الوحدة التي تمنحه شكل الحياة "عيش/ ممارسة – شروط/ كيفيّة – ردود أفعال/ ردود أفعال معاكسة...".
غير أنه ليس على ذلك أن يمنعنا من اختيار زوايا، تقتضيها المعاينة والبحث، لمساءلة "أصل بعد قليل" عن مدى تمثيله للانزياحات القصوى التي أوصلته إلى ألـ "ما بين" وأظهرته هوَسَاً في التقليم، ربّما الجائر، لأشجار غابة الدلالات، ومن ثمّ المعاني، وفي إعادة أشياء الحياة من غربتها في أرض المجازات الموحشة، والكنايات المُضلّلة، والتشابيه المُذلّة:
"لم لا تريد أن تفهم أو تصدّق أنني أستطيع التعبير مباشرة عما أريد، ولا أحتاج إلى شيء ينوب عني لكي يُحيل إليّ". ص 169.
فيردّ القارئ، أو السامع، الذي لم يعرف من الحياة سوى التقشف، لأنه:
"أحيناً/ وأحياناً فقط / تفاجئك الجميلة مرتين: مرة بجمالها كما لو أن في جيبها/ حصّة للوصول/ ومرّة بجمالها كما لو أن في جيبها الأخرى/ حصّة للرحيل. ص102".
ويردّ آخر: "كما لو أنه قميصي الأسوَد/ المكويّ الأنيق/ أو كما لو أنه ملامحي التي/ يعرفها جميع الشباب: / البهاء بهذا الوضوح/ كما لو أنه قميصيّ/ الأسود المكوي/ الأنيق. ص 218 ".
وفي الممارسة النصيّة للتقشف البلاغي - الذي لا يمكن أن يُكتب له النجاح هنا، أو في أي مكان آخر، لسبب يتعلق ببنيّة النص الأدبي التي تقوم على التناقض - يأخذنا النص إلى استحالته كأدبي ورياضي في الوقت ذاته. ومؤكداً على أن نصّ التقشف هو شيء يختلف تماماً عن نصّ الدعوة إليه:
"من البرد تعلم ما هو البرد/ ومن القيظ ما هو القيظ/ ما لديك في الشتاء قله في الشتاء /... / لا تقل ما لديك في الفصول إلا في الفصول. ص192".
وإن كان من تقشف بلاغي يقود إلى وهم "أحادية معنى نصّ ما" في مشروع محمد عضيمة البلاغي، حيث كلّ خطاب بلاغة، فإنه في المعنى الذي يسبغه على النص، وليس في المعنى الذي يقدّمه النص ذاته. وهذا ليس غريباً على محمد عُضيمة، الذي دأب في مشروعه الكتابي، منذ كتبه الأولى، على اقتراح وممارسة معنى مختلف للنص الشعري، وللشعريّة عموماً، متخذاً من "اللامتفق عليه" حقلاً لاشتغال رمزيّة خطابه. ذلك الخطاب المشاكس الذي لا يغفل أبداً عن احتمال نقضه، فتراه في أقصى حديّته، ومصادراته، عتبة جائزة للحوار والمساءلة.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الشاعر السوري محمد عُضيمة لـ«النهضة»:
لا أثق بإشارات المرور
الشعر اليوم هو الكلام كما هو و.. بذكاء!
قصيدة النثر لن تمتلك هوية ما دامت تعتمد على أدوات
القصيدة العمودية وقصيدة التفعيلة!
ليس هناك من حلّ إلا التهكم والسخرية
أمام النصوص الجدية العابسة الداعية إلى الحزن والألم
قراءة شعر الأطفال فقط هي رحيل إلى أقصى زوايا الشعر الجديد
حوار: عمر الشيخ
لم تكن البقعة الجغرافية التي يتنقل ضمنها الشاعر السوري محمد عُضيمة إلا فسحة خيالية متجددة تمنح نصه الشعري شموساً مستمرة وهواء طلقاً ولقطات شعرية مدهشة.. من دمشق إلى بيروت ثم إلى الجزائر وبعدها عقد كامل في باريس ليحط أخيراً منذ خمسة عشر عاماً في اليابان، درة آسيا ومفصل حركة العالم في التكنولوجيا، أمّا بالنسبة للشعر فقد اختار لنا عُضيمة من روائعها ترجمات جديدة كان آخرها «كتاب الهايكو» الصادر حديثاً عن دار التكوين- دمشق..
«النهضة» التقت الناقد والمترجم الشاعر محمد عُضيمة وطرحت عليه عدة إشكالات راهنة في المشهد الشعري، وفي محاولة جادة لكشف معالم كتاباته الجديدة، يطلعنا الشاعر عُضيمة على أخباره في هذا الحوار الآتي:
- منذ ما يقارب أربعة قرون وقصيدة الهايكو لم تفقد متعتها وبريقها الشعري، من حيث التقنية وفنية اللغة المدهشة، أمّا الشعر العربي فقد تنقل بين مراحل تاريخية متخلفة، وتبدلت تقنية شكله وموضوعاته، السؤال أين وصلت الدهشة الراهنة في الشعر العربي؟
-- على الرغم من مرور الشعر العربي بمراحل مختلفة لكنه بقي من حيث الروح ثابتاً وذلك إلى فترة قريبة جداً، حيث بدأت أجيال جديدة بكتابة شعرية مدهشة وأكثر، والدهشة التي أعنيها هي جمالية، فيها الذكاء البصري وذكاء الالتقاط الموضوعي على طريقة الهايكو تقريباً، وغياب الموضوعات القديمة التي يتطلب تناولها المراوحة في المكان القديم.. لا أخفيك أنني أندهش دائماً بأصوات جديدة وقد وردت أغلبية هذه الأسماء في ديوان الشعر العربي الجديد الذي صدر منه ستة أجزاء، كما أنك تعرف أن هذا المشروع قائم في أساسه على تتبع الحالات المدهشة والذكية داخل الأعمال الشعرية..
- ما المقصود باللقطات الشعرية الذكية؟ وهل هناك لقطات شعرية غبية!؟
-- اللقطات الغبية هي التي تحاكي الشعر القديم روحاً وشكلاً، وللأسف هي الغالبة داخل الشعر العربي المعاصر، وهي التي أسميها أحياناً العمل في منطقة شعرية مكشوفة ومعروفة.. بمعنى آخر هي اللقطات الكسولة المأخوذة عن الآخرين بشكل أو بآخر، التي تحاكي النسيج المعروف المكرور وكل ما يعاكس هذه الأوصاف أسميه اللقطات الذكية..
اللقطة الذكية هي التي بلا مرجعية وبالتالي تشعر معها أن صاحبها صاغها من تجربة ما، من معايشة ما، وهي التي مرجعيتها أيضاً تجربة الشاعر نفسه والأمثلة عليها - كي لا أكون نظرياً- هي ديوان الشعر العربي الجديد بأشكاله الستة!
- في مقدمتك لكتاب الهايكو الذي صدر حديثاً ثمّة تهكم في أكثر من مناسبة على شعر ت.س إليوت الذي يعدّ قديساً في مشهد الشعر العالي، لماذا كل هذا؟
-- التهكم مثير أكثر وهو أقدر على زعزعة الأشياء الثابتة والمقدسة، عندما تهكمت في المقدمة بشكل خفيف من إليوت، أردت التهكم أيضاً من مريدي إليوت من الشعر العربي الحديث أو العاصر، أردت التهكم من العقلية الدينية التي حكمت إليوت أثناء إنتاجه «للرجل الجوف» أو «الأرض الخراب» والتهكم من المقدسات الشعرية شعراءً كانوا أم قصائد طويلة (ملاحم)..
هو جزء من مشروعي في قراءة الشعر العربي المعاصر، هو محاولة للاتجاه نحو النصوص الفرحانة المدهشة التي لا يهمها أن يكون معها أو ضدها الآخرون، هي نصوص هكذا فقط ليست أكثر، حيادية إلى حدٍ كبير، نصوص إليوت تتخذ موقفاً من الكون وتطالبك باتخاذ هذا الموقف وهذا ما يثير تهكمي وتهكم أصدقائي الشعراء الجدد!
ليس هناك من حلّ إلا التهكم والسخرية أمام النصوص الجدية العابسة الداعية إلى الحزن والألم، النصوص التي لا ترى في الكون إلا السواد وتحتقر الأرض أمّنا الأولى والأخيرة.. أشك أن يكون إليوت ابتسم أو ضحك في حياته، كما أشك أن يعرف رجال الدين الضحك والابتسام! التهكم في النهاية بالنسبة لي هو الشيطان الذي يقهقه أمام الآلهة..
- كيف ترى أهمية الفهم والتذوق في آن لقصيدة النثر التي استهجنها كثيرون في المشهد الشعري السوري؟
-- قصيدة النثر في سورية وفي العالم العربي ليست سهلة القراءة على أنها شعر من قبل أغلبية المثقفين لأن معاييرها حتى الآن غير ثابتة وغير واضحة الحدود، في قصيدة النثر لا نعرف أين يبدأ الشعر وأين ينتهي، في غالب الأحيان نقرأ سرداً أقرب إلى القصة الذاتية، وأحياناً أخرى تتقاطع قصيدة النثر بنيةً ورؤيةً ما عدا الإيقاع العروضي مع قصيدة التفعيلة، ولاسيما الملاحم الطويلة وهذا ما يجعلها مرتبكة مروحة في نفس المكان يشبه بعضها بعضاً لدى أغلبية ممثليها.
تتناسخ من شاعر إلى آخر حتى تكاد تشبه القصيدة العمودية من حيث البداية والعرض والنهاية لهذا سميتها قصيدة النثر العمودية..
- متى يصبح لقصيدة النثر هوية دائمة؟ وهل تطالب بتحول الشعر إلى قصيدة ومضة؟
-- لن تكون لها هوية واضحة ما دامت تعتمد على أدوات القصيدة العمودية وقصيدة التفعيلة، والمقصود هنا بالأدوات (علم البيان- علم البلاغة- علم المجاز- علم الاستعارة) وما دامت تتبنى النبوءة منهجاً لفهم علاقة الإنسان بالكون، مادامت لا ترى في العالم غير اليباب، لذلك أرى أن مستقبل الشعر العربي سيكون القصيدة القصيرة التي لا تتجاوز صفحة أو عدة أسطر بحيث يتمتع القارئ بعد القراءة مباشرة باستيعاب الدلالات والمعاني، لأني مع قصيدة لها معنى واضح بلا لفّ أو دوران على طريقة الميتافيزيقية!
- قلت في كتاب الشعراء يلتقطون الحصة: «طوكيو تاريخ منقوع في بطن امرأة»، أين محمد عُضيمة من دمشق وشعرائها؟ وهل منحتك اليابان تذكرة خروج عن المشهد المحلي؟
-- هذا سؤال مربك ومحير! والإجابة عليه ستكون متناقضة على طرقة الجدل، أنا داخل وخارج دمشق، أنا داخل المشهد الشعري المحلي وخارج هذا المشهد.. لم أخرج إلا لكي أعود وأدخل من جديد، بالتأكيد تجربة العيش في الغربة تمنحك أبعاداً أخرى ترى ما لا يراه المقيمون دائماً، تكتسب قنوات أخرى لعلاقاتك مع الأصدقاء والأقارب والمكان أيضاً.
لم تمنحني اليابان أو فرنسا تذكرة خروج بقدر ما منحتني تجربة رؤية تصل أحياناً إلى درجات الالتباس والارتباك فأشك وأنا غير متأكد وأميل إلى الارتباط بالأرض، أحنّ إلى سورية وشعرائها عندما أكون في اليابان، لذلك تكثر إيميلاتي إليهم وقراءتي لهم، أقرؤهم على النت وأتابعهم على النت أكثر ما أتابعهم وأقرؤهم وأنا في سورية، أطبع كثيراً من قصائدهم ومقالاتهم لأقرأها في الميترو أو القطار، ولا تصدق كيف أراهم بعين متلفة تماماً! أحياناً أشتم هذا الشاعر لأنه قال كذا.. وأبتسم لذاك لأنه قال كذا.. من أمتع تجاربي هي قراءة الشعر العربي وأنا بعيد جداً عن مكان إنتاجه أعني اليابان.
تختلف تماماً زاوية الرؤيا هناك عن زاوية الرؤيا في سورية عندما أقرأ نفس القصيدة أو الديوان، أي أني أعني أن للمكان تأثيراً على طريقة القراءة والفهم وهذا ما لم أكن أعرفه أو أعيه إلا بعد هذه التجربة!
- ثمّة دراسة في إحدى الجامعات محورها هو شعر الحزن واليأس والانكسار، الخيبات والكآبة هل يصنع هذا الشعر كتابة جيل جديد؟
-- تعبت الأجيال الجديدة من المآسي وشعراء المآسي.. من الأحزان وشعراء الأحزان.. الأجيال الجديدة تكتب بسعادة وفرح ولا تكتب لأحد إلا لنفسها. كارثة شعراء الأحزان أنهم يرون أن القصيدة تحتاج إلى كارثة كي تكتب، وكلما كبرت الكارثة كانت القصيدة أجمل، وهذا بالضبط منتهى تغييب إنسانية الإنسان، فمن غير المعقول أن الإنسان أو الشاعر لا يكتملان ولا يكبران إلا بالكآبة والحزن! هذا هو التقليد الشعري القديم تماماً الذي أفرزته التوحيدية والذي لا يزال مستبداً في الشعر والنقد وفي السياسة وفي الاقتصاد وفي جميع مناحي الحياة. ولهذا السبب تذهب الأجيال الشعرية الجديدة اليوم إلى الانترنت والديجتال والبلوتوث.. إلى الشاشة والألوان إلى جهات الفرح. الشعر الآن صور فرح، شعر ألوان، بعيداً عن التجريد، الشعر اليوم هو الكلام كما هو و.. بذكاء.
- تقرأ شعراً للأطفال ومخيلتك شعرية بامتياز، لماذا لا تقرب الرواية أي تقرؤها وتتابع أخبار باقي أجناس الأدب، ماذا تسمي هذا التعصب الشعري؟
-- هذا ليس تعصباً شعرياً، هذا رحيل إلى أقصى الشعر للبحث في زواياه أكثر، بهذا المعنى أرغب بالبقاء قريباً من عالم الأطفال، أعني من عالم بدايات اللغة لأن الطفل يستخدم كلماتٍ ويركب جملاً فقط مما لديه من مفردات فيأتي تركيبه أو تأليفه للجملة شعرياً بامتياز. ليس لدى الطفل مخزون لغوي كبير لكي يقول ما يريد بسهولة، بتعبير آخر الطفل بمفردات قليلة يناور على المعنى ويقوله بطريقة أقرب إلى الشعر دون أن يعيه، هكذا كما أظن يحنّ الشاعر إلى طفولته ليس إلى براءة الطفولة وحسب بل إلى تلك اللحظات الأولى التي كان قد بدأ يستخدم فيها الألفاظ.
قراءة الرواية تحتاج إلى وقت، الرواية تقتل الوقت، وأنا ليس لدي عندي وقت للقتل، لذلك يحدث أن أقرأ روايات الأصدقاء بلا تردد، لكي أعرف هؤلاء الأصدقاء أكثر فأواصل معهم أو أقطع، يهمني جداً فهم الأصدقاء، وعلى ذكر الرواية العربية يدهشني كسل الروائيين العرب عموماً والسوريين تحديداً، أما أغلبية الروائيين السوريين لا يعرفون لغة أجنبية ولن يقرؤوا الرواية بلغتها الأم، فتصور أنه لدينا أسماء كبيرة كنجيب محفوظ مثلاً لم يترجم بحياته رواية ما عن لغة أجنبية فكيف بالأجيال التالية من الروائيين؟ أستثني من هذا الروائيين المغاربة واللبنانيين وبعض الروائيين العراقيين، أنا مستاء من الروائيين السوريين عموماً لجهلهم باللغات الأجنبية! وهنا أريد أن أحيي الصديق المترجم صالح علماني الذي ينبغي على الروائيين السوريين والعرب أن ينصبوا له تمثالاً..
- «شكراً للموت» كانت آخر مجموعتك الشعرية، ومضى عليها خمس سنوات، ماذا يخبئ محمد عُضيمة لمتابعيه من الشعر الجديد؟
-- أعتقد أن عملي على ديوان الشعر المغربي الذي صدر عام 2007 هو تقريباً شبه ديوان شخصي بمعنى أو بآخر وترجمتي لكتاب الهايكو هو أيضاً إنتاج شعري بطريقة أو بأخرى.. وبهذا لن يكون «شكراً للموت» آخر مجموعة أصدرتها، ومع ذلك عندي ديوان جديد قيد الطبع عنوانه (لا أثق بإشارات المرور) من المرجح أن يصدر عن دار التكوين.
- أحدهم قال عنك إنك: (أهم شاعر سوري يكتب قصيدة تافهة لا تشبه الشعر أبداً) ما رأيك؟
-- نحتاج إلى هؤلاء الناس كي تتوازن البيئة الشعرية كما تتوازن البيئة الطبيعية بوجود حشرات نافعة وحشرات ضارة، بالتأكيد لا يثيرني هذا القول وربما أتمتع به من جانبي «المازوشي» وهذا ربما يرضي ذاك الجانب بداخلي كإنسان.. وأتمنى أن أكون أتفه شاعر في نظر هؤلاء لأن هذا يعني بالنسبة لي أنني في الطريق التي ارتضيتها لنفسي، وفي النهاية لا أكتب لهؤلاء الناس فلماذا يقرؤونني؟ على أي حال شكراً لشتائمهم الدافئة.
العدد 479
تاريخ15/2/2010
جريدة النهضة الدمشقية
Omaralshaikh-sam@hotmail.com